ذكر سند القوم وخرقتهم‎ ‎

ومما يناسب ذكره في سند القوم وخرقتهم ما نقلناه من كتاب “العقيدة الحقة” ونذكره في هذا الفصل ‏لما فيه من ‏البيان والوضوح في إثبات صحة انتماء هذه الطائفة الصوفية الشريفة، ووقوع الاجماع ‏على قبول طريقتهم، وفيه ‏مباحث جليلة وجمل جميلة: (بتصرف)‏‎ ‎

يقول مؤلف العقيدة الحقة:‏‎ ‎

لا يخفى على ذوي الأفهام من الأمراء والحكام والعلماء الأعلام بل والخواص أن الأمة أجمعت على ‏قبول طريق ‏الإمام الجنيد بن محمد البغدادي القواريري شيخ الصوفية ورأس الجماعة فأرشدوا الى ‏تقليده في الطريق.‏‎ ‎

قال العلامة الشيخ عبدالسلام اللقاني في شرح المنظومة المسماة بـ (إرشاد المريد) الذي ضمنه مختار ‏أهل السنة ‏مالك بن أنس وباقي الأئمة المعهودين، يعني أئمة المسلمين كأبي عبد الله محمد بن إدريس ‏الشافعي، وأبي حنيفة ‏النعمان بن ثابت، وأبي عبد الله أحمد بن حنبل، ثم قال: مثل من ذكر في الهداية ‏واستقامة الطريق أبو القاسم بن ‏محمد الجنيد الزاهد سيد الصوفية علما وعملا وكان على مذهب أبي ‏ثور صاحب الشافعي رضي الله عنه وكذا ‏أصحابه، هداة هذه الأمة التي هي خير الأمم خيارها بعد ‏الصحابة ومن معهم.‏‎ ‎

ومن المعلوم أن المتّبع في الأصول إنما هو المعصوم صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الأئمة رضي الله ‏تعالى عنهم ‏جاؤوا فقرروا أحكام الشريعة ودلوا الأمة على طريق النبي عليه الصلاة والسلام ‏فأجمعت الأمة على الأخذ ‏بمذاهبهم والاقتداء بهم ومنهم سيد الطائفة الصوفية الجنيد أبو القاسم رضي ‏الله عنه وسند خرقته ينتهي من طريق ‏الإمام الحسن البصري إلى الإمام أمير المؤمنين سيدنا علي ‏المرتضى رضي الله عنه وكرّم وجهه فهل لو كان ‏منقطع السند أو هل لو كانت أذكاره وفروع ‏طريقته المباركة لا أصل لها في الدين يمكن أن يحصل الاجماع على ‏قبول طريقته، وقد نرى أن ‏طرق الصوفية رضي الله عنهم تنتهي أسانيدها بالوثائق التي لا تقبل النزاع اليه رضي ‏الله عنه.‏‎ ‎

والذي عرف يعلم أن طريق القوم العمل بالكتاب والسنة ظاهرا وباطنا، وأما من يظن أن التصوف ‏غير ذلك ‏فأنكره فقد انصرف مع بوائق الزيغ والابتداع وجحد حقوق أناس طهرت سرائرهم، ‏وأضاءت بنور الهدي ‏المحمدي بصائرهم، هجروا المألوفات، وأقبلوا على الله بخالص النيات، ‏وانطوى في مشربهم حال النبي صلى الله ‏عليه وسلم وأدبه وخلُقه ومشربه أولئك أهل الصفوة الأولى ‏من عاداهم فقد عادى الله وباء بخزي من الله، كيف لا ‏وهم أهل الله عليهم رضوان الله، وليتدبر كيف ‏قال تعالى في أهل العمى القلبي والبعد الكلي

{مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ‏السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ‏وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51) } [سورة الكهف].‏‎ ‎

فاذا لمع نور الايمان في القلب اندفعت ظلمات الشكوك وانمحق سوء الظن من الخاطر بالخلق، ‏ووقف النظر عن ‏السقوط إلى ما يشين الخُلق، وانصرف إلى ما يستحسن إلا إذا قامت الحجة القاطعة ‏الحقة فلا محيص عن الحق ‏وهناك أيضا فأساليب الشرع الشريف معلومة يعرفها العارفون ويجهلها ‏الجاهلون ويحيد عنها حقدا الضالون، ‏ومن هذا التفصيل علمنا أن طرق الشرع مع اختلاف جهاتها ‏فالغاية منها واحدة فمن فرق كلمة المسلمين بجهله أو ‏حاد بهم عن الطريق بكفره وضلاله فهو من ‏المغضوب عليهم الضالين ولا عدوان إلا على الظالمين، وقد وقع ‏الاجماع على ترجيح تقليد الجنيد ‏في مذهب التصوف كباقي الأئمة رجال المذاهب رضي الله عنهم أجمعين حتى ‏ابن تيمية على ما فيه ‏من الكفر والزيغ والمخالفة للقوم قال عن الجنيد: “إنه إمام هدى” قاله في شرح حديث ‏النزول، وهذا ‏التقليد لا شك هو في فروع المعارف الروحية والمعاني الذوقية وطرقها وأساليبها وعادات أهلها في ‏‏رياضاتهم وأعمالهم وأحوالهم والا ففي أصول تلك الحقائق فالمُتّبع هو رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وحيث ‏رجح رجال الإجماع أهل الحل والعقد أعيان العلماء والصلحاء تقليد الإمام الجنيد في ‏فروع مذهبه الروحي فقد ‏صححوا قبولا واجماعا سند خرقته وقالوا باتباعه وأخذ هذا السند عنه كما ‏وقع ولم يستثن ذلك مستثن قط وإن تكلم ‏في ذلك الكثير من المتأخرين ومن رجال أواسط القرون ‏الماضية فذلك لا ينافي صحة سنده بعد الاجماع على ‏قبول طريقته في الأول والآخر والباطن ‏والظاهر، وقد انتظم بسلكه العالي الأعاظم من العلماء والمحدثين والجم ‏الغفير من أكابر رجال الدين ‏ورجال الطريق، وقد لبس الخرقة من خاله الامام السري السقطي وهو من الشيخ ‏الكبير معروف ‏الكرخي وهو من الشيخ داوود الطائي وهو من الشيخ حبيب العجمي وهو من الامام الحسن ‏البصري ‏وهو من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.‏‎ ‎

وهنا نزاع البعض وهو نزاع زائد وسيأتي الكلام عليه، وهناك طريق ءاخر وهو أن الشيخ معروفا ‏الكرخي لبس ‏الخرقة من الامام علي الرضا وهو من أبيه الامام موسى الكاظم وهو من أبيه الامام ‏جعفر الصادق وهو من أبيه ‏الامام محمد الباقر وهو من أبيه الامام زين العابدين علي وهو‎ ‎من أبيه ‏الامام الحسين شهيد كربلاء وهو من أبيه ‏أمير المؤمنين سيدنا الامام علي المرتضى عليهم جميعا ‏رضوان الله تعالى وتحياته وسلامه وهذا السند لا نزاع ‏فيه فليتدبر وإن لم يكن القائلون بصحة أخذ ‏الامام الحسن البصري عن الإمام علي رضي الله عنه إلا رجال هذا ‏السند لكفى فانهم لم يختلف ‏بجلالة قدرهم وصدقهم وعلو منزلتهم في العلم والعمل اثنان، مع ما يشهد لصحة أخذ ‏الامام الحسن ‏البصري طيب الله مرقده الشريف عن سيدنا أمير المؤمنين علي المرتضى كرم الله وجهه ورضي ‏الله ‏عنه من البراهين الساطعة التي لا تدافع فما ثم هنالك الا نافية بلا حجة فكيف تدفع مثبتة أيّدتها الحجة ‏القاطعة ‏كلا لا يكون ذلك مطلقا اذ الحق أحق أن يُتّبع. ‏

قال الامام العلامة الشيخ ضياء الدين أحمد الوتري الشافعي البغدادي قدس الله سره وروحه في كتابه ‏‏(روضة ‏الناظرين) ما نصه: ان خرقة الصوفية رضي الله عنهم تتصل بالخليفة الرابع أسد الملاحم ‏والمعامع، شيخ أئمة ‏الآل، فحل الرجال، صهر رسول الثقلين والد الريحانتين، إمام المشارق ‏والمغارب، أمير المؤمنين أسد الله سيدنا ‏علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه وقد ‏ندر اتصال خرقة بغيره وكلهم على هدى يتصلون ‏بسيد المخلوقين حبيب رب العالمين صلى الله عليه ‏وسلم، ولا يلتفت لما يقوله البعض في شأن خرقة الصوفية إن ‏ذلك قد نشأ عن هفوات لا تعتبر ولا ‏يبنى عليها الشك بعد اليقين بصحة الخبر قلت: وقد نقل الوتري عن الإمام ‏التقي الواسطي طاب ‏ثراهما أنه قال: خرقة القوم أهل الطريقة الواصلين بعرفانهم إلى الحقيقة تتصل بالأسانيد ‏المرضية ‏إلى سيد البرية صلى الله عليه وسلم لا يقدح باتصالها إلا الحاسد أو المكابر المعاند فانهم أخذوها عن ‏‏الثقات الأئمة المقتدى بهم في هذه الأمة الذين اشتهر صدقهم وصلاحهم وظهر في الأكوان مجدهم ‏وفلاحهم وبلغ ‏ذلك بين هؤلاء السادات مبلغ التواتر القطعي الذي لا يمتري فيه عالم ولا يحمحم به ‏عاقل من العناد سالم تلقاها ‏خلفهم الناجح عن سلفهم الصالح انتهى، وقال الوتري قدس سره: إنّ شيخ ‏أهل الخرقة على الحقيقة هو الإمام ‏العارف مقتدى أئمة الطوائف وارث السر وناصر الشرع النبوي ‏الإمام الكبير أبو سعيد سيدنا الحسن البصري ‏رضي الله عنه لبس الخرقة من الإمام علي بن أبي ‏طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه، قال سفيان الثوري ‏رضي الله عنه: فالحسن البصري أجلّ ‏أصحاب علي بن أبي طالب عليه السلام انتهى. ثم قال الوتري رحمه الله ‏تعالى في الحسن البصري: ‏شاعت علومه وكراماته في أقطار الدنيا كان ليلة قتل علي كرم الله وجهه يصلي خلفه، ‏وهو رأس ‏الفقهاء بعد العبادلة رضي الله عنهم. وقال أيضا: حدث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ‏قال: ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أحسن الحسن الخلق الحسن” ضعيف جدا، ثم قال: ‏مكان الحسن ‏البصري يستثنى من كل غاية فيقال فلان أزهد الناس الا الحسن وأفقه الناس الا الحسن ‏وأفصح الناس الا الحسن، ‏شهد مقتل عثمان رضي الله عنه وهو ابن أربع عشرة سنة وشب في كنف ‏علي بن أبي طالب رضي الله عنه ‏انتهى.‏‎ ‎

وقال الإمام العلامة الشيخ علي برهان الدين القاهري الحلبي صاحب كتاب السيرة في كتابه النصيحة ‏في بيان ‏حسن الطريقة الأحمدية ما نصه: أقول والمشهور المحفوظ أن الحسن البصري إنّما لبس ‏الخرقة من سيدنا علي ‏بن أبي طالب لكن نوزع في اجتماعه بسيدنا علي وصحح الجلال السيوطي ‏ثبوت اجتماعه به قلت: صحح ‏السيوطي اجتماع الحسن بسيدنا علي وصحح تلقيه وأخذه عنه في ‏كتابه الذي سماه (رفـُوا الخرقة) وفيه ما يكفي.‏‎ ‎

وقد سئل مفتي المدينة المنورة السيد أسعد طاب ثراه المتوفى سنة ست عشرة ومائة بعد الألف عن ‏صحة سند ‏الصوفية رضي الله عنهم في الخرقة فأجاب بما نصه: الحمد لله وكفى وسلام على عباده ‏الذين اصطفى سند القوم ‏في الخرقة صحيح أثبته جماعة من الحفاظ ورجّحه خلائق وممن رجحه ‏الحافظ ضياء الدين المقدسي فقال في ‏المختارة: قال الحسن بن الحسن البصري عن علي، وإلى هذا ‏ذهب الحافظ السيوطي وهو الصحيح لأن العلماء ‏ذكروا في الأصول أن المثبت مقدم على النافي لأن ‏معه زيادة علم وأبوة الطريق صحيحة فقد ورد في الخبر فيما ‏أثر عن غير النبي: “الآباء ثلاثة أب ‏ولدك وأب علمك وأب رباك” ولله در من قال:‏‎ ‎

أرى فـضل أستاذي على فضل والدي  وان زاد في بر وإن زاد في تحف‎ ‎

فـهذا مربي العقل والعقل جوهر   وهـذا مربي الجسم والجسم من صدف‎
وقد أخذ الحسن البصري وهو شيخ خرقة الصوفية عن علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه بلا ريب ‏فانّه ولد ‏لسنتين بقيتا من خلافة عمر الفاروق رضي الله عنه باتفاق كانت أمه خيرة مولاة أم سلمة ‏رضي الله عنها تخرجه ‏إلى الصحابة يباركون عليه فممن بارك عليه عمر رضي الله عنه ودعا له ‏فقال: اللهم فقهه في الدين وحببه إلى ‏الناس، ذكره الحافظ جمال الدين المزي في التهذيب وأخرجه ‏العسكري في كتاب المواعظ بسنده، وحضر الحسن ‏شهادة عثمان رضي الله عنه وعمره أربعة عشر ‏سنة قال الحافظ السيوطي: كان يحضر الجماعة ويصلي خلف ‏عثمان رضي الله عنه إلى أن قتل ‏عثمان رضي الله عنه إذ ذاك بالمدينة فانّه لم يخرج منها إلى الكوفة إلا بعد قتل ‏عثمان فكيف يستنكر ‏سماعه منه وهو كل يوم يجتمع به في المسجد خمس مرات من حين ميّز إلى أن بلغ أربع ‏عشرة سنة، ‏وزيادة على ذلك أن عليا رضي الله عنه كان يزور أمهات المؤمنين ومنهن أم سلمة والحسن في بيتها ‏‏هو وأمه، وروى الحافظ السيوطي عن الإمام أحمد في مسنده أنه قال حدثنا هشيم أخبرنا يونس عن ‏الحسن عن ‏علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “رفع القلم عن ‏ثلاثة عن الصغير حتى يبلغ ‏وعن النائم حتى يستيقظ وعن المصاب حتى يكشف عنه” أخرجه ‏الترمذي وحسنه النسائي والحاكم صححه ‏والضياء المقدسي في المختارة، قال الحسن: رأيت الزبير ‏يبايع عليا ذكر ذلك الحافظ الزين العراقي وروى مثله ‏أبو زرعة، وذكر الطحاوي والدارقطني وأبو ‏نعيم في الحلية عدة أحاديث من طريق الحسن عن علي رضي الله ‏عنه قال: كفّنت النبي صلى الله ‏عليه وسلم في ثوبين وبرد حبرة، وفي حديث عقبة بن أبي الصهباء الباهلي قال: ‏سمعت الحسن يقول: ‏سمعت عليا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل أمتي مثل المطر” الحديث، قال ‏محمد ‏بن الحسن بن البصير في هذا نص صريح في سماع الحسن من علي ورجاله ثقات، قال كل ذلك ‏الحافظ ابن ‏حجر العسقلاني رحمه الله تعالى وبسند الحافظ أبي بكر بن مسندي إلى القصار قال: ‏صافحت الحسن البصري ‏قال: صافحت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صافحت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم قال “صافحت كفي ‏هذه سراداقات عرش ربي عز وجل”، وبطريق‎ ‎الاستئناس ‏ذكر جماعة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعليا ‏كرّم الله وجهه ألبسا أويسا القرني خرقة بإذن ‏نبوي، وفي حديث أم خالد قالت: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم ‏بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة ‏فقال: “من ترون أكسو هذه” فسكت القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏”إيتوني بأم خالد” ‏قالت: فأتي بها فألبسنيها بيده وقال: “أبلي وأخلقي” يقولها مرتين وجعل ينظر إلى علم في ‏الخميصة ‏أصفر وأحمر ويقول: “يا أم خالد هذا سناه” والسنا هو الحسن بلسان الحبشة وعلى هذا فسند خرقة ‏القوم ‏وطريق مصافحتهم كلاهما صحيح رضي الله عنهم ونفعنا بهم والمسلمين انتهى.‏‎ ‎

وقال شيخنا علامة الزمان وأستاذ العصر والأوان القطب الفرد الجامع الرصين الأساس سيدنا بهاء ‏الدين مهدي ‏ءال خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عنه في كتابه (رفرف العناية) ‏ما نصه: وقد تعين عندنا ‏من هذه الطريقة الصحبة ولبس الخرقة ولا عبرة بإنكار بعض الأفاضل أو ‏جلهم فإن رجال الأخبار كثر اختلافهم ‏وقلّ فيما يباين مشاربهم ائتلافهم وكفى حجة للقوم وإطباق ‏الصالحين والزاهدين والمتمكنين في أمري الحقيقة ‏والشريعة على هذا وناهيك بالإمام الجنيد والأئمة ‏الأعلام السري والكرخي والطائي وأشباههم رضي الله عنهم، ‏وقد أنكر الكثير من الحفاظ أخذَ الأمام ‏الحسن البصري وسماعه أيضا عن سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‏كرّم الله وجهه ورضي ‏الله عنه والحال أن الحافظ كمال الدين المزي ذكر في كتابه (تهذيب الكمال)، (الأطراف) ‏مما أفنى ‏عمره فيهما في ترجمة سيدنا الحسن البصري عند ذكر شيوخه الذين أخذ عنهم فمنهم عقيل بن أبي ‏‏طالب وأخوه علي ولم يحك فيه خلافا، وعلى كل من شيوخ الحسن رمز الترمذي والنسائي على أخذه ‏عن عقيل ‏رضي الله عنه سلام الله ورضوانه عليه رمز الترمذي والنسائي، وعلى أخذه عن عقيل ‏رضي الله عنه رمز ‏النسائي وابن ماجه ومما روي عنه من طريق سيدنا علي “أفطر الحاجم ‏والمحجوم” رواه النسائي خاصة، ‏وحديث “رفع القلم عن ثلاثة” من طريق علي كرّم الله وجهه رواه ‏عنه الترمذي والنسائي قال محمد بن موسى ‏الجرشي: أنبأنا ثمامة بن عبيدة قال: حدثنا عطية ابن ‏محارب عن يونس عن عبيد قال: سألت الحسن قلت: يا أبا ‏سعيد إنك تقول قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم فإنك لم تدركه قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شىء ما سألني ‏عنه أحد من قبلك ولولا ‏منزلتك ما أخبرتك إني في زمان كما ترى-وكان في زمن الحجاج- كل شىء سمعتني ‏أقول قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عن علي بن أبي طالب غير أني لا أستطيع أن أذكر عليا. انتهى. ‏‏وقد أثبت الجلال السيوطي طاب ثراه سماع الحسن البصري وأخذه عن سيدنا علي، واتفق الحافظ ‏على أخذ ‏الحبيب العجمي بل وأيوب السختياني ويونس بن عبيد وعبد الله بن عوف ومحمد بن واسع ‏ومالك بن دينار وفرقد ‏السنجي وغيرهم من عُبّاد البصرة عن الإمام الحسن البصري، وعلى هذا ‏فإطباق القوم وإجماعهم على صحة هذا ‏الاتصال لا ينقض بإنكار غيرهم وقد جاء عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم “من تشبه بقوم فهو منهم” وقد جاء رجل ‏الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ‏كيف ترى في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: “المرء مع من ‏أحب” رواه البخاري، وقد أخذنا سند الخرقة بقصد التزيي بزي رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏بالأناسيد الصحيحة التي ضبطها الحفاظ أمناء الرسل علماء المسلمين حفظة الحديث ورجاله ‏رضي ‏الله عنهم فان الخرقة أعني الزي الذي أختاره السادة الرفاعية ومضوا عليه خلفا بعد سلف انما هو ‏العمامة ‏السوداء مرسلة الطرف واختارها بعضهم بغير إرسال قال شيخ الاسلام النووي رحمه الله في ‏‏[شرح المهذب]: ‏يجوز لبس العمامة بارسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهية في واحد منهما ولم ‏يصح في النهي عن ترك ‏إرسالها شىء وصح في الإرخاء حديث عمر بن عبيد حيث قال: كأني أنظر ‏إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه رواه مسلم انتهى، ‏وأسند الحافظ أبو موسى المدني في كتاب السنة ‏في سدل العمامة عن أبي داود الطيالسي قال الأشعث ‏بن سعيد بن عبدالله بن بشر عن أبي راشد الحبراني عن ‏علي رضي الله عنه قال: عممني رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم بعمامة سدلها من خلفي ثم قال: ‏‏”إن الله عزوجل أمدني يوم بدر ‏وحنين بملائكة يعتمون هذه العمامة” وقال: “إن العمامة حاجز بين الكفر ‏والإيمان”، وأسند عن ‏عبدالله بن بسر عن حكيم العنسي قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ‏فعممه ‏بعمامة سوداء وأرسلها من خلفه ثم قال: “هكذا فاعتموا حاجز المسلمين والمشركين العمائم”، وأسند ‏‏الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام عن أبي موسى رضي الله عنه أن جبريل أقبل على النبي صلى ‏الله عليه ‏وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من ورائه، روى المديني عن وكيع عن سلمة بن ‏وردان قال: رأيتُ ‏على أنسِ بن مالك رضي الله عنه عمامة سوداء على غير قلنسوة وقد أرخاها من ‏خلفه، وقال: ذكر إسماعيل بن ‏يزيد القطان عن خالد بن عبدالرحمن القرشي عن عاصم بن عمر ‏العمري عن أبيه عن عبدالله بن الزبير رضي ‏الله عنهما أنه رأى عليه عمامة سوداء أسدلها من خلفه ‏قدر ذراع، وقال عبدالله بن بسر رضي الله عنه: بعث ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي ‏طالب رضي الله عنه إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء أرسلها من ‏ورائه أو قال على كتفه اليسرى، ‏ومن هذه الأخبار النبوية الصادقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمم عليا ‏المرتضى سلام الله ‏ورضوانه عليه بعمامة سوداء ثم قال: “هكذا فاعتموا” الحديث، وقد كان رسول الله صلى الله ‏عليه ‏وسلم في يوم فتح مكة معتما بعمامة سوداء بل كان كثيرا ما يعتم بالسواد كل ذلك إشارة لسيادته ‏ودوام ‏سؤدده وبقاء دينه، وقد أمر عليا بهذا وعلي أمر أصحابه ومنهم الحسن البصري وعن ‏البصري أخذ أصحابه ‏وتسلسل هذا حتى اتصل بسنده متدليا إلى الإمام شيخ الطريق مولانا السيد ‏أحمد الكبير الرفاعي رضي الله عنه ‏ومنه والحمد لله بالسند الوثيق والطريق الحقيق لنا ومنا وإن شاء ‏الله لمن لحقته بيعتنا في طريقة الله تعالى وسندنا ‏معلوم تلقاه رجالنا كابرا عن كابر عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم: إنتهى كلامه الشريف بنصه وحروفه.‏‎ ‎

وقال الإمام ابن الصلاح: إن من القُرب لبس الخرقة وقد استخرج لها بعض مشايخنا أصلا من السنة ‏وهو حديث ‏أم خالد رضي الله عنها قالت: أُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء ‏صغيرة فقال: “اتوني بأم ‏خالد” فأُتيَ بي قالت: فألبسنيها بيده وقال: “أَبْلي وأَخلقي” ومعنى أبلي دعاء ‏بطول الانتفاع بالثوب وهو مخرَّج في ‏الصحيح، قال ابن الصلاح: وفي الخرقة إسناد عالٍ جدا وذكره ‏ثم قال: وليس بقادح فيما أوردناه كون لبس الخرقة ‏غير متصل إلى منتهاه على شرط أصحاب ‏الحديث في الأسانيد فإن المراد ما تحصل به البركة والفائدة باتصالها ‏بجماعة من الصالحين، انتهى ‏كلامه.‏‎ ‎

لا يخفى أن الأسانيد المتصلة بلبس الخرقة لما ثبت أصلها في السنة من وجوه وأهمها العمامة ‏السوداء ووردت ‏فيها الأخبار الصحيحة التي لا تدافع، وعليها مشى ءال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ومنهم أئمة العترة وهم ‏سادة الناس وقادتها وعنهم أخذ أئمة الطريق بوثائقهم الصحيحة فما بقي ‏القول باتصالها بالصالحين وعدم اتصالها ‏على شرط أصحاب الحديث بالأسانيد إلى النبي صلى الله ‏عليه وسلم إلا من الغفول عن الأخبار والاحاديث ‏الصحيحة التي وردت في العمامة السوداء وقد ‏ذكرناها، نعم إن إنكار البعض من الحفاظ للبس الخرقة الذي جرى ‏عليه جماعة من الصوفية على ‏هذا الوجه لم يثبت اتصاله بالسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد في ذلك ‏خبر صحيح ولا ‏ضعيف حكى كل ذلك ابن حجر والقسطلاني وأبو الخير السخاوي والذهبي والعراقي والعلائي ‏حتى ‏إنهم أنكروا سماع الحسن البصري عن الإمام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وقالوا: ورد لبسهم ‏للخرقة ‏وإلباسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى ابن قعود وإلى كميل بن زياد وهما صحبا الإمام عليا ‏كرم الله وجهه ولا ‏خلاف في صحبة كميل بن زياد له بين أئمة الجرح والتعديل قال القسطلاني: وفي ‏الطرق اتصالها بأويس القرني ‏وهو اجتمع بعمر بن الخطاب وبعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ‏وهذه صحبة لا مطعن فيها، وقال العلامة ‏العارف بالله الشعراني في كتاب الخرقة: وقد لبس أويس ‏ثوب سيدنا عمر ورداء سيدنا علي رضي الله عنهما، ‏وخلاصة ما يراد أن خرقة السادة ذات أصل في ‏السنة ثابت ورجالها الأئمة الذين ثبتت لهم المعالي في الأمة ‏ولبس الخرقة الذي أنكره الحفاظ الذين ‏سبق ذكرهم على الوجه المتعارف عند بعض الصوفية إلباس جبة وطاقية ‏هو لا شك غير متصل ‏الأسانيد بالنبي صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه فالحفاظ الكرام الذين أنكروا هذا الوجه ‏المتعارف ‏قولهم حق وما ذهبوا إليه صدق إلا أن خرقة السادة الرفاعية رضي الله تعالى عنهم لا مجال لهم ولا ‏‏لغيرهم إنكارها وهي العمامة السوداء واتصال السند بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها سبق ذكره، ‏وإلباسه العمامة ‏السوداء لعلي أمير المؤمنين كرّم الله وجهه ثابت في الصحاح، وأمره له ولأصحابه ‏بعد إلباسه إياها بنص “هكذا ‏فاعتموا”، ومما لا نزاع فيه وطريق خرقة الصوفية عن الجنيد عن ‏السري عن الكرخي وله طريقان كما سبق ‏فطريقة المتصل بالحسن البصري، وسماع بل وأخذ ‏الحسن عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه صححه جلّة ‏من الحفاظ والمثبتة مقدمة على النافية، ‏وعلى هذا إطباق القوم وطريق الكرخي عن الإمام علي الرضا ابن الإمام ‏موسى الكاظم عن أبيه إلى ‏أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه طريق لا مجال للنزاع فيه ولا باتصال أسانيده وقد ‏ثبت هذا ‏بالبراهين وقال به الأعيان من الحفاظ المحققين وأكابر علماء الدين، وقد ذكر بعض الأئمة لبس ‏الحسن ‏البصري عن كميل بن زياد القوم الذين برأهم الله من اللوم بصاحب النور المبين سيد ‏المرسلين عليه أفضل ‏صلوات البر المعين والحمد لله رب العالمين. إ.هـ