براءة أهل التصوف من عقيدة الحلول والوحدة المطلقة

يقول الله تبارك وتعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا } [سورة الأنعام].‏

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد”. رواه البخاري.‏

إعلم ثبتك الله على الحق أن الغلو في الدين ممنوع، والغلو مجاوزة الحد، ومن الغلو ما هو كفر وخروج عن الملة المحمدية كادعاء بعضهم أنه لا يحصل شيء في العالم إلا بتصرف الشيخ نعوذ بالله من الكفر.‏

واعلم أن الانحراف عن الإسلام بدعوى التصوف غير مقبول، وقد رفضه أشياخ هذه الطائفة الكريمة، فقد حذروا مرارا وتكرارا من المنحرفين القائلين بوحدة الوجود والقائلين بالحلول والمغالين في المشايخ إلى حد مخالفة الشرع الحنيف.‏

وقد ابتليت طوائف من الناس بعقائد فاسدة مضلة ليست من الإسلام في شيء، ودخلت باسم الدين ليهون على أصحابها المارقين التلبيس على الأمة في عقائدها، ومن أخطر هذه‏ الفئات القبيحة بكفر طائفة استفحل شرها تدَّعي أنها صوفية وتسمي نفسها بطائفة التصوف الإسلامي وما أبعدها عن التصوف، وما أبعدها عن الإسلام وهم أهل الحلول والوحدة المطلقة.‏

وذلك لأن عقيدة السادة الصوفية الحقيقيين الصادقين غير المدعين المارقين هي التمسك بعقيدة المسلمين والامر بالواجبات واجتناب المحرمات والتزام نهج الصالحين وعدم التعلق بالدنيا والإقبال بهمة على الآخرة واتباع مسلك الزاهدين.‏

وإنه يحزّ في أنفسنا ما نرى وما نسمع من أدعياء التصوف الذين شوهوا سمعة الطرق الصوفية، وادعائهم الولاية والمقامات والأحوال ودرجة القطبية والإرشاد، وافترائهم‏ على المشايخ الأجلاء، بكلام جُلُّه افتراء، كافترائهم على الشيخ محي الدين بن عربي والشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أبي يزيد البسطامي وغيرهم من أئمة الدين وأعلام المسلمين وسادة الصوفية الصادقين، والكثير من هؤلاء الأدعياء ارتدوا عن الدين لزندقتهم وانغماسهم في مستنقع القول بالحلول والزندقة ووحدة الوجود المطلقة التي حاربها السادة الصوفية وأعلنوا براءتهم ممن يقول بها وفي هذا يقول السيد الشريف أحمد الرفاعي الكبير: “كل طريقة خالفت الشريعة فهي زندقة”.‏

فلا يغرنك كل مدَّع للتصوف والطريقة وهو يقول بالحلول والوحدة المطلقة فهو زنديق‏ على الحقيقة لما في فعله من ضرر على نفسه وعلى الخليقة.‏

واعلم أن كثيرا من الناس يذمون طرق الصوفية جهلا وتعنتا فلا أولئك نجوا ولا هؤلاء أنفوا إنما يذم من حاد عن الشريعة واتخذ الباطل هواه سبلا.‏

وإننا نذكر في هذا الموضع ما ورد نسبته إلى بعض الأكابر من الافتراءات مما لا يليق بهم ولا بأمثالهم مع بيان فساد معتقد مدعي التصوف القائلين بالحلول والوحدة المطلقة.‏

كذلك التنبيه والتحذير من بعض ما افتراه هؤلاء على أهل التصوف من أقوال وأفعال مخالفة لمنهج القوم الموافق لطريق السنة المخالف للبدعة.‏

وقال الشيخ أحمد الرفاعي: “لفظتان ثلمتان في الدين القول بالوحدة، والشطح المجاوز لحدّ التحدث بالنعمة”.إ.هـ

افتراؤهم على الشيخ عبد القادر الجيلاني

فمما افتروه على الشيخ الكبير والعالم النحرير والقطب الشهير الباز الأشهب سيدنا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ما يلي:‏

ما ورد في قصيدة عبد الكريم الجيلي التي رويّها “العين المضمومة” ومن جملتها:‏

قطعت الورى من نفس ذاتك قطعة … وما أنت مقطوع ولا أنت قاطع

فانه لفظ لا يجوز إطلاقه على الله تعالى مطلقا بل هو كفر وضلال.‏

ووما يجب التحذير منه كتاب “الانسان الكامل” المنسوب لعبد الكريم الجيلي، ومنظومة تسمى “العينية” تقع في ثمانمائة بيت فيها كلام صريح بالكفر كهذه الأبيات:‏

وما الكون في التمثال الا كثلجة … وأنت لها الماء الذي فيه نابع

وما الكون في التحقيق غيرا لمائه … وغيران في حكم دعته الشرائع

ففي البيت الأول حلول أي أن الله بزعمه حال في العالم حلول ماء الثلج في الثلج، وفي الثاني أن العالم والله شىء واحد أي ليس الله غيرا للعالم بل هو عين العالم فيما يزعم والعياذ بالله تعالى، وهاتان العقيدتان عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول أي حلول الله في الخلق وعقيدة الطبائعيين الذين يقولون لا اله والعالم مادة. أشد الكفر والعياذ بالله.‏

وكذلك ما نسبوه افتراء إلى الشيخ عبد القادر ما ورد في كتاب “الفيوضات الربانية في مآثر الطريقة القادرية” فانّ فيه كلاما مفترى على الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويوجد فيه من الكلمات الشاذة التي لا تليق بالشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ما لايوجد في كتب الشيخ عبد القادر الصحيحة النسبة اليه، فانّ للشيخ عبد القادر كتابا مشهورا اسمه “الغنية” في الفقه الحنبلي لأنه حنبلي المذهب، وهذا الكتاب ثابت أنه من تأليفه لكن مجسمة الحنابلة الذين يعتقدون أن الله جسم ساكن جهة فوق أدخلوا عليه مسائل افتروا عليه فيها أنه يقول: “ان الله ساكن في جهة فوق”، وافتروا عليه بأنه يقول: “بأنّ حروف المعجم قديمة” أي ليس لوجودها ابتداء وهذا خلاف عقيدة أهل السنة، فانّ عقيدة أهل السنة أنّه لا موجود أزلي قديم ليس لوجوده ابتداء الا الله، والحروف مخلوقة حادثة، والأصوات حادثة. وهو رضي الله عنه لا يخالف في العقيدة شيئا مما عليه أهل السنة السلف والخلف من أن الله تعالى متكلم بكلام لا يشبه كلام الخلق، ومعلوم أن كلام الخلق حرف وصوت حادثان يوجدان شيئا بعد شىء وهذه صفة البشر، والله تعالى متعال منزه عن كل ما هو من صفات البشر انّما هو متكلم بكلام ليس حرفا ولا صوتا.‏

وليس القرءان شيئا قرأه الله بحرف وصوت على جبريل انّما القرءان كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ بأن أمر القلم الأعلى فجرى وكتب القرآن وغيره من الكتب السماوية.‏ وأمر جبريل بأن يأخذه ويقرأه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالحرف والصوت بدليل قوله تعالى:

{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) } [سورة الحاقة] والضمير في: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ ‏كَرِيمٍ (40)} ‏يعود لجبريل باتفاق المفسرين، ومعنى الآية أن القرءان شىء قرأه جبريل. والذي نعتقده أن الجيلاني بريء من مثل هذه الأقوال.‏

وما نُسب للشيخ لا يقول به أقل المسلمين في الدين فكيف بالشيخ عبد القادر الذي هو‏ من أكبر الأقطاب، كيف يقول بأن الله ساكن السماء والله تعالى يقول:

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا ‏فِي الْأَرْضِ ‏‏(31)
} [سورة النجم] أي كلّ متحيز في السموات والأرض فهو ملك لله مخلوق لله حادث وُجدَ بعد أن لم يكن موجودا. فكيف يخفى هذا الحق على القطب الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، انّما مشبهة الحنابلة دسوا عليه في كتابه هذه المقالات ليوهموا الناس أن الشيخ عبد القادر على عقيدتهم عقيدة التشبيه.‏

ومن المعلوم أن الصوفية المحققين هم من أكثر الناس تأدبا مع الله تعالى لا يطلقون على الله عبارة شنيعة.‏

ومما في هذا الكتاب أيضا من الافتراءات ايهام أن الله تعالى أوصى الى الشيخ عبد القادر وخاطبه بكلمات عديدة يقولون لها الغوثية بهذه الصيغة: “يا غوث الأعظم الأمر كذا وكذا”، ومما فيه: “يا غوث الأعظم أكل الفقراء أكلي وشربهم شربي” وهذا من أشنع الكفر، وهذا اللفظ متكرر فيه “يا غوث الأعظم”.‏

قال الشيخ أبو الهدى الصيادي في كتابه الطريقة الرفاعية ما نصه: فقد عزوا للقطب الجليل الفرد الأصيل خزانة الكمالات والمعاني أبي صالح محي الدين السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه الكثير من الكلمات التي لم تصدر منه ولم تنقل بسند صحيح عنه مثل الكلمات المكذوبة التي سمّوها فهو عطّر الله مرقده بعيد عنها وبرىء منها.‏

وهذا الكتاب المسمى “الفيوضات الربانية” ألفه اسماعيل القادري الكيلاني من أهل القرن الثالث عشر، ومؤلفه ليس من العلماء فقد نسب الى الشيخ عبد القادر قصيدتين احداهما ميمية والأخرى نونية.‏

ففي القصيدة الميمية يوجد هذا البيت:‏

كل قطب يطوف بالبيت سبعا … وأنا البيت طائف بخيامي

فهذا الكلام أي أن الكعبة تترك مكة وتذهب الى العراق لتطوف بخيام الشيخ عبد القادر لا يقوله الا كذاب وقح لأن الكعبة الله وضعها في مكة ليطوف بها المؤمنون بالليل والنهار في مكانها. وقولهم هذا فيه أن صلوات المسلمين لمّا تنتقل الكعبة لتطوف بالجيلاني غير صحيحة لأنهم يكونون قد اتجهوا الى غير الكعبة وفي ذلك القول بأن المسلمين باجماعهم جهّال وصلواتهم فاسدة ولا يقول بذلك عاقل.‏

ومثل هذا الكلام مذكور في كتاب “روض الرياحين” ونص عبارته: “وقد سمعنا سماعا محققا أن جماعة شوهدت الكعبة تطوف بهم طوافا محققا . اهـ. هو دس على مؤلفه.‏

تنبيه: ويقال لهم أو ليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب الى الكعبة ويطوف بها ولم ينقل ولم يحصل أن الكعبة طافت به.‏

وأما النونية ففيها هذا البيت:‏

ولو أنني ألقيت سري على لظى … لأطفئت النيران من عُظم برهاني

وهذا ردّ للنصوص لا يقوله مؤمن عرف أن الله خلق الجنة والنار للبقاء فلا تفنيان أبد‏ الآباد، وأن نار جهنم لا يلحقها انطفاء أبدا، هذه عقيدة كل مسلم، فكيف تجرأ هذا المفتري على نسبة هذا الكلام الى الشيخ عبد القادر رضي الله عنه.‏

ومن الكتب التي فيها دس كثير على الشيخ عبد القادر كتاب “بهجة الأسرار ومعدن الأنوار” لعليّ الشطنوفي المصري، وهذا المؤلف يركب أسانيد باطلة ليروج ما ينسبه الى الشيخ ‏عبد القادر ‏وليوهم الناس أن هذا الكلام الذي ينسبه اليه صحيح مسند. وقد نص الحافظ ابن حجر ‏العسقلاني وغيره في الدرر ‏الكامنة وطبقات القراء أن الشطنوفي مؤلف “بهجة الأسرار” ذكر في ‏كتابه هذا ما لا يصح اسناده للشيخ الجيلاني ‏رضي الله عنه.‏

ومن جملة ما فيه من الكذب عليه قوله: ان الشيخ عبد القادر قال: “قدمي هذه على رقبة كل ولي” وقد بين أن هذه الكلمة مدسوسة على الشيخ عبد القادر الامام الجليل سراج الدين المخزومي في كتابه “صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطمية الأخيار” وذكر فيه من كذب هذا الرجل في نسبة هذا الكلام الى الشيخ عبد القادر.‏

وقد ورد هذا القول المكذوب “قدمي هذه على رقبة كل ولي” في كتاب “الفتاوى الحديثية”‏ لابن حجر الهيتمي، فقد أطال المؤلف النفس في إثبات نسبة ذلك إلى الشيخ عبدالقادر ولا صحة لها، والعجب كيف صحح ابن حجر نسبتها إليه، وهي كلمة التعالي والترفع، والأولياء من أكثر الناس أدبا مع الله، وهم من أكثر الناس تواضعا، وهذه ليست من باب التحدث بنعمة الله، وحاشا أن يقول ذلك الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه.‏

ومن المعلوم أن الصوفية الكاملين من أشد الناس تواضعا وهذا القول بعيد من التواضع، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن التواضع أفضل العبادة” ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الأمالي المصرية. أي أن التواضع من أفضل العبادات.‏

قال الشيخ أبو الهدى الصيادي في كتاب الطريقة الرفاعية ما نصه: “وأما ما جاء في الكتاب المسمى “بهجة الأسرار” مؤلفه الشطنوفي في مناقب الشيخ عبد القادر قدس سره الطاهر من الحكايات والكلمات والروايات الموضوعة ففيها للأكابر كلام، منهم من اتهم الشطنوفي في ذاته بالكذب والغرض، ومن القائلين بذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي طاب ثراه وقد ذكر ذلك في طبقات الحنابلة في ترجمة القطب الجيلي نفعنا الله بمدده وعلومه، ومنهم من قال إنه راج على الشطنوفي حكايات كثيرة مكذوبة وكأنهم نسبوه إلى البَـلَهِ وقبول ما يصح وما لا يصح” اهـ، وذكر منهم الحافظ الذهبي والبدر العيني وابن كثير وغيرهم.‏

ثم قال الصيادي بعد ذلك ما نصه: “وأما هذه الكلمة التي بنى الشطنوفي عليها كتابه البهجة وهي إسناد قول: “قدمي هذه على رقبة كل ولي” أن الحافظ ابن رجب الحنبلي والامام العز الفاروثي الشافعي والذهبي والتقي الواسطي وابن كثير والكثير من الأكابر قد أنكروها وبرءوا الشيخ عبد القادر وقالوا إنها من موضوعات الشطنوفي وإنها لم تنقل بسند صحيح يعتمد عليه” اهـ.‏

ومما يشبه هذا الكلام الفاسد الذي يؤدي بقائله إلى الكفر والعياذ بالله تعالى ما اشتهر عن جماعة الشيخ قطب الصومالي المشهور من كلمات يرددونها في مجالسهم وعندما يخرجون الى مكان وهي:‏

ان لشيخي تسعة وتسعين اسما … كَسُمى ذي الجلال في استجاب الدعاء

يعني قائل هذه الكلمتين الشيخ عبد القادر فيصفه بأن له تسعة وتسعين اسما كأسماء الله تعالى تسعة وتسعين في استجابة الدعاء، وهذا الكلام فيه تشبيه للشيخ بالله تعالى، وهذه فرية جديدة على الشيخ الجيلاني الجليل، ومقام الشيخ عبدالقادر بعيد من هذا كل البعد، لأن هذا الكلام من باب تشبيه العبد بالخالق، وتشبيه العبد بالخالق كفر.‏

وكذلك من الافتراءات على الشيخ عبد القادر عبارة وردت في كتاب اسمه “الشيخ عبد القادر الجيلاني الإمام الزاهد القدوة” لعبد الرازق الكيلاني فان مؤلفه يقول فيه ما نصه: “يقول الشيخ عبد القادر عن صفة الشيخ المرشد: لا يجوز للشيخ أن يجلس على سجادة النهاية ويقلد بسيف العناية حتى يكمل فيه اثنتا عشر خصلة اثنتان من صفات الله تعالى وهما: أن يكون الشيخ ستارا غفارا”.‏

ومما لا شك فيه ولا ريب أن الشيخ الجليل عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه برىء من مثل هذه الألفاظ، كيف لا وقد اتفق أهل السنة على أن صفات الله أزلية أبدية لا تنتقل الى غيره، فمن ادعى ذلك كفر وذلك لأن الله تعالى موجود أزلي لم يسبقه عدم، أبدي لا يلحقه فناء، وصفاته كذلك، فيستحيل أن يتصف العبد بصفة الرب، ومن المعروف أن الشيخ عبدالقادر الجيلاني من كبار أئمة أهل السنة.‏

ومما يجب إنكاره ما اعتاده بعض أصحاب الطرق لا سيما بعض المنتسبين للطريقة القادرية من قولهم عند قراءتهم الورد بين المغرب والعشاء وبعد صلاة الصبح جماعة “اللهم أجرنا وأجر والدينا وجميع المسلمين من النار”.‏

هذا الكلام فيه رد للنصوص القرءانية والحديثية، وقد جزم ابن عبد السلام في الأمالي والغزالي بتحريم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب وبعدم دخول النار لأنا نقطع بخبر الله تعالى وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم من يدخل النار. وقد نقل قول ابن عبد السلام والغزالي الرمليّ في شرح المنهاج والشوبري في تجريده حاشية الرملي الكبير.‏

افتراؤهم على الشيخ محي الدين بن عربي

ومما يلزم التحذير منه افتراؤهم على الشيخ المشهور سيدنا محي الدين بن عربي رضي الله عنه.‏

ومن الكلام الرائج عند بعض مدعي التصوف والطريقة والذكر وغيرهم هذه الكلمة “ما الكون إلا القيوم الحي”، وأما نسبتها إلى الشيخ عبد الغني النابلسي في ديوانه وكذا في ديوان الشيخ محي الدين بن عربي فهو محض افتراء ودس وهما بريئان منها ومن مثلها لأنهما من أكابر الموحدين ويذكر الشيخ الشعراني أن الشيخ محي الدين بن عربي يقول:‏

‏”من قال بالحلول فدينه معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد” ولا يخفى على كل ذي عقل ثاقب أن الكلام الذي فيه أنهما يقولان “ما الكون إلا القيوم الحي” مدسوس على الشيخ محي الدين رضي الله عنه وعلى الشيخ عبد الغني النابلسي الذي قال في بيان كفرالتشبيه وأنه يكفر من اعتقد واحدة منها ما نصه: “أو أنه له الحلول في شىء من الأشياء أو بجميع الأشياء،أو أنه متحد بشئ من الأشياء أو بجميع الأشياء، أو أن الأشياء منحلة منه ‏أو شىء منه، ‏وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله، وسببه الجهل بمعرفة الأمر على ما هو عليه” ‏اهـ.‏

وكيف ينسب اليه أي إلى الشيخ النابلسي هذا وهو القائل في منظومته في التوحيد:‏

معرفة الله عليك تفترضْ … بأنه لا جوهر ولا عَرَضْ

ومما افتري على الشيخ محي الدين بن عربي ما ورد في كتاب منسوب إلى الشيخ محمود أبي الشامات الدمشقي أنه من تأليفه يسمى “الإلهامات الإلهية على الوظيفة اليشرطية” ونص عبارته: قال: “قال سيدي الشيخ محي الدين العربي في كتابه “شرح الوصايا اليوسفية”:‏

يجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه المتحكم في موته وحياته وأن الله تجلى في صورته”، ثم قال: “فمن مات تحت حكم شيخ كامل فان الله لا يتجلى له في القيامة إلا في صورة ذلك الشيخ” اهـ، فهذا الكلام ليس من دين الله وهو مناف للتوحيد الذي هو أصل الدين وأصل التصوف الإسلامي، فما هذا الكلام إلا زندقة وهو كفر صريح لا تأويل له، وهو دس على الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله عنه ولا يتفوه الشيخ رضي الله عنه‏ بمثل هذا الكلام المنافي للتوحيد ولعقيدة المسلمين.‏

وأما قوله في نفس الكتاب: “وقد ألف السادة الصوفية نفعنا الله بهم الكتب والرسائل في إثبات وحدة الوجود وأقاموا الأدلة النقلية والعقلية على إثباتها” فما هو إلا محض‏ افتراء على السادة الصوفية، ومردود لأن الصوفية الصادقين كالإمام الجنيد البغدادي والإمام أحمد الرفاعي والإمام عبدالقادر الجيلاني والإمام محي الدين بن عربي رضي الله عنهم وأمثالهم قد حذروا من مثل هذه الكلمات ومن هذه العقيدة الفاسدة كالقول والاعتقاد بالوحدة المطلقة والحلول والشطح المجاوز لدين الله تعالى ولهم نصوص‏ مشهورة في التحذير من مثل هذه المنكرات.‏

والحاصل أن كل ما أورده هذا المؤلف محمود أبو الشامات الدمشقي وأمثاله في مؤلفاتهم تلبيس وتمويه لا يروج إلا على من لم يعرف التوحيد الذي هو أصل الدين.‏

ومما يجب التحذير منه قول بعض جهلة المتصوفة إذا نوقشوا بمسئلة شرعية غلطوا فيها ‏”هذا صح كشفا” ونحو ذلك كما في كتاب “الفتح الرباني والفيض الرحماني” والمسمى أيضا ‏ ‏ “بأسرار الشريعة” المنسوب للشيخ عبد الغني النابلسي ونصه: “أما ما ذهب اليه الشيخ محي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية وغيره من أن عذاب الكفار في النار ينقلب عذوبة فيتلذذون به بعد انقضاء مدة الآلام فهو أمر مبني على الكشف عن أسرار الحقائق الأخروية، وقيل: ليس في هذا مخالفة كما ذكرناه من مذهب الجمهور أن عذاب الكفار في النار دائم أبدي، وفيه: إن الله يتجلى لأهل النار بصفة الجلال اهـ، وهذا الكلام باطل فإن إلهام الولي ليس من أسباب العلم القطعي فهو ليس بحجة كما ذكر ذلك النسفي، والمنام أقل شأنا، قال الإمام الجنيد سيد الطائفة الصوفية رضي الله عنه:‏

‎”‎ربما تخطر لي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة‏‎”‎ والنكتة: هي الوارد أي الإلهام.‏

وهذ الكلام المنسوب كذبا وافتراءا على الشيخ محي الدين بن عربي باطل وهو يخالف صريح القرءان والسنة الصحيحة وإجماع المسلمين.‏

أما مخالفته للآيات القرءانية الدالة على بقاء الجنة والنار واستمرار عذاب الكفار بلا انقطاع إلى ما لا نهاية كثيرة جدا منها قوله تعالى:

{وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } [سورة ‏البقرة]. ‏وقوله تعالى:

{وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا (36) } [سورة فاطر].‏

وأما مخالفته للحديث الصحيح الثابت: “يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار: يا أهل النار خلود لا موت” رواه البخاري.‏

وأما الاجماع فهو منعقد على بقاء النار ودوام عذاب الكفار فيها، نقله الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في رسالته “الاعتبار ببقاء الجنة والنار” وذكر أن من رد ذلك فهو كافر.‏

ومثل هذا الاعتقاد مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة فلا يليق بالشيخ‏ محي الدين بن عربي ولا بالشيخ عبد الغني النابلسي فهو مما دُس عليهما رحمهما الله تعالى.‏

افتراؤهم على الطريقة النقشبندية

ومما يلزم التحذير منه بعض مدعي النقشبندية وحاشا للشيخ القطب شاه نقشبند أن يكون من أمثالهم.‏

ومن مدعي الطريقة وهو منحرف عن أهل الحقيقة رجل يسمى عبد الله الداغستاني وهو‏ داغستاني الأصل والمنشأ وقد ذكر المحدث الشيخ عبد الله الهرري أن الشيخ محمد زاهد النقشبندي قال عنه: “ليس سنّيا وإنه خرج من بلاده وادعى أنه سني نقشبندي الطريقة وهو مقطوع ليس موصولا”، وله كتاب اسمه “الوصية” وقد ملأه بالفساد والضلال مما يلزمنا التحذير منه. وقد قال الداغستاني في أول كتابه هذا ما نصه: “يقول مولانا الشيخ الذي سيفوز في هذا الزمان بما لم يفز به الأولون من الخلوات والرياضات ومن الجهاد الأصغر والأكبر والذي سينال درجة عليا ورتبة كبرى لم ينلها الأنبياء ولا الصحابة” إهـ، وهذه جرأة تتضمن دعوى أفضليته على الأنبياء ما تجرأها أحد ولم يتجرأ أحد من أولياء الله على أن يقارب بينه وبين نبي من الأنبياء فضلا عن دعوى الأفضلية التي ادعاها هذا الرجل.‏

وهذ الرجل طاماته كثيرة منها أنه نزل من دمشق الى بيروت ليتداوى لعينه في مستشفى الأطباء وفي أثناء مكثه هناك أعطى مقالة للصحافة في جريدة الأنوار اللبنانية قال فيها: إني متّ قبل هذا فجاء أربعة وعشرون ألف نبي فأخذوا روحي وداروا بها في الجنة ثم ردوني إلى الدنيا ثم أنا لا أموت إلا بعد ظهور المهدي بسبع سنين. ثم أماته الله بعد هذه المقالة بنحو ثلاثة أشهر أو أربعة حُملَت جنازته إلى دمشق فدفن هناك.‏

وله مريد اسمه “ناظم القبرصلي” أو القبرصي الذي سمى نفسه “ناظم الحقاني” وهو مثل شيخه في نشر الضلال، وقد قلد شيخه الداغستاني فقد ذكر في هذه الرسالة المسماة ‏ “الوصية” ويزيد فقال في موضع منها ما نصه: لو قرأ الكافر فاتحة الكتاب ولو مرة واحدة في حياته لا يخرج من الدنيا إلا وينال قسما من تلك العناية لأن الله لا يفرق بين كافر أو فاسق أو مؤمن أو مسلم بل كلهم على السوية. اهـ. إلى غير ذلك مما حوته هذه الرسالة من الضلال.‏

نعوذ بالله من الكفر والخسران والافتراء على الله عز وجل ونسأل الله السلامة.‏

Leave a Reply